آخر الأخبار
آخر الأخبارأخبار عاجلةثقافةمساهمات أدبية

هكذا رثى واسيني الأعرج رفيق دربه مرزاق بقطاش

كلما فقدنا عزيزاً، شعرنا بقسوة الحياة وظلمها. ينتابنا الإحساس الغريب بأنها تتقصدنا دون غيرنا بالأذى الذي لا يُقاوَم. هي لحظة ألم الفجيعة التي يتوقف فيها العقل كلّياً عن أي تفكير. ويحتاج الإنسان إلى لحظات أخرى أكثر اتّزاناً، ليصدق أن ما حدث كان حقيقة، وأن الألم الذي اخترق الأعماق، لم يكن مجرد كابوس عابر، ينتفي بمجرد استيقاظنا منه. أستطيع اليوم أيها العزيز مرزاق أن أروي حكايتك. حكايتنا بعد أن سرقك الموت منّا. وأعد السنوات التي جمعتنا والتي لا تقل عن ثلاثين سنة، أكثر من نصف العمر. كنّا قد تعارفنا من قبل التاريخ الذي سأرويه. ما بقي ثابتاً في ذهني ذلك الخريف البارد والعاصف والمرعب، عندما وقفتَ أمام البيت ذي الطراز الكولونيالي، الذي كنتُ أقيم فيه قبل أن يستعيده أصحابه، وبدأت تخط على ورق أبيض شيئاً ما. كنتُ أتأملك من النافذة، كنتَ برفقة ابنتك الصغيرة (إيمان). في الأخير منحتني الرسمة التي أنجزتها باللون الفحمي. واجهة بيت موريسكي مطل على البحر، جميلة. قلتَ لي يومها: سأكتب يوماً ما شيئاً عن هذا البيت، في مدينة متخيلة. وسيكون بيتاً يجلس على حافة البحر. قلتها وأنت تضحك قبل أن نمضي في سيرنا على البحر الغربي للعاصمة. وكانت الرواية التي ختمت بها عمراً من الكتابة والتأمل تحمل العنوان نفسه محوراً قليلاً: مدينة تجلس على طرف البحر. هل هي صدفة أم قدر سري؟ ولا أعتقد أن أحداً يعرف فيك صفة الرسام؟ وأنت تتكلم بحماسة عن يومياتنا الصعبة، لمحت تلك العلامة التي ارتسمت على خدك الأيمن التي مرت عبرها رصاصة قتلتَها بصبرك، ولم تطل لا مخك، ولا عمرك، ولا شجاعتك في قول الحقيقة كما كنت تراها. كنا ننزل إلى البحر الذي كان يتنفس سلاماً بعيداً عن رحى الموت في المدينة. كان عالمك ذلك المنفى الأزرق. وكنتُ أنزل إلى الجامعة المركزية للتدريس مع احتمالات مخاطر الاغتيال، وأعود مساء مشبعاً بحكايات اليوم. حياتنا في تلك السنوات كانت تقاس بالأيام وليس بالسنوات. نمشي على الحافة كيتيمين في مدينة كانت كل يوم تموت قليلاً. تنتفض بقوة: شيء لا أفهمه أبداً. كيف للقتلة أن يجدوا كل الحماية، وكيف علينا أن نتخفى وكأننا نحن المجرمون؟ سألتني يوماً: ألا تفكر في كتابة شيء عن هذه التجربة المرة: كيف يعيش الإنسان هارباً في وطنه؟ قلت لك أكتب رواية موضوعها صعب قليلاً، عن عقيد أصابته مأساة التقاعد الإجباري المبكر بسبب صراعات عسكرية داخلية، وكان كل حلمه أن يصبح جنرالاً؟ يعيش مثلنا، معزولاً على حافة البحر. ضحكتَ وقلتَ: هذه واعرة يا صاحبي. الظرف الصعب. ضحكتُ بدوري: أنت كتبتَ عن كابران وأنا أكتب عن كولونيل. كنا نتحدث بشكل شبه يومي عن عالم كان يموت، وآخر كان في طور التكوين، نبحث له عن اسم. وكنتَ مصراً في أحاديثك على ضرورة اختراق شرنقة الخوف ليس من الإسلاميين المتطرفين وحدهم، الذين خطوا على وجهك وقلبك وذاكرتك علامة لن تمحى أبدا، لكن أيضاً من الأجنحة المتقاتلة في النظام، التي جعلت البلاد تتهاوى مثل طير جريح. كنّا نعبر الساحل الغربي من بدايته حتى نهايته، على حافتي مسكنينا. نسمع موسيقى على جهازي الصغير ونحن نمشي أرجلنا في البحر، ورؤوسنا في سماء الكلمات. ويوم أخبرتك بأني مسافر إلى باريس وربما قد أبقى شهوراً، لي دعوة من المعهد العالي للأساتذة، شعرت بك حزيناً. قلتَ وأنت تمتم: ليكن. سنشتاق لهذه اللحظات. ثم كأنك صفوت من غيبوبة: اذهب. انس عالم الموت الذي يحيط بنا. هناك يمكنك أن تستمع إلى الموسيقى، أو تقرأ كتاباً دون أن تخاف من الأصوات التي أصبحنا نعرف تفاصيلها، المخيف منها والسلمي. قلتَ لي: لا تنس عندما تعود أن تأتيني ب CD ديبوسي، هذا الكلاسيكي العظيم. الموسيقى مثل الأطعمة الراقية، لا نأكل لنشبع لكن لتذوقها أولاً. الموسيقى تقتضي أيضاً إحساساً مماثلاً في نعومته وتذوقه. وكنت أعرف خياراتك الشعبية في الطعام التي ظللت مرتبطاً بها. من بين كل الكتاب الجزائريين الذين عرفتهم عن قرب، كنت الأكثر انفتاحاً على الفنون والموسيقى والرسم والموسيقى، والأكثر متابعة للأدب العالمي. كلما سافرت كانت طلباتك موسيقية أو قرائية. ويوم صودرت روايتي: مرايا الضرير في المطبعة، في طبعتها الفرنسية التي تتحدث عن الكولونيل الحالم برتبة جنرال، كنت خائفاً عليّ أكثر من خوفك على نفسك. قلتَ: جيد أنك انهيتها. الكتابة عن هذا العالم صعبة، لكنها ضرورية. وكانت نقاشاتنا على حافة البحر تأخذنا نحو النخبة الوطنية ومشكلاتها، وتاريخ تصفيتها منذ الخمسينيات. كنت أضحك في أعماقي لأنه لو أفشى البحر بأحاديثنا السرية، كنا سجنّا في الثانية نفسها. كنت أشعر بالألم الذي كان في داخلك. بلاد لا تعترف بأي من أبنائها. قدمتَ الكثير لتلك الأرض، لكنها أهدتك رصاصة عمياء في الوجه. أخذتُ ذات مرة مخطوطتك الأخيرة على دار الآداب، الدار التي أنشر فيها. كان يحزنني أن يبقى جهدك رهين الجزائر وحدها. نشرت روايتك «رقصة في الهواء الطلق» في بيروت، واستقبلت بشكل طيب. ثم عندما سافرت إلى باريس سلمتني مخطوطتك «كلاموس» بالفرنسية بكل تواضع. وقدمتها لدار مارسا، ضمن السلسلة العربية التي كنت أشرف عليها مع الدار. كنت قد نشرت فيها روايتي الأولى بالفرنسية: حارسة الظلال، ونشرنا ترجمة مارسيل بوا لآخر رواية لابن هدوقة، و»مطر من ذهب» لمحمد صاري. كل هذه الحكايات البحرية شيء، ويوم إصابتك بمرض السكري الذي لم تتفطن له، ومس نظرك، شيء آخر. قلت وأنت تعدل بيري البحار: أسوأ شيء أخافه هو أن يذهب بصري يوماً. تخيل كاتباً وقارئاً نهماً، يخسر بصره؟ كبرياؤك منعك من قول كل التفاصيل، لكنني عرفتها من ابنتك الطبيبة. وعلى الرغم من جهودك لتوقيف هذا التدهور، كان كل يوم يتسع أكثر، وكنت مصراً على الكتابة بتكبير حروف الحاسوب أكثر، إلى يوم لم يعد ممكناً التكبير أكثر. أعتقد أنك في ذلك اليوم شعرت بالإحساس بالموت أكثر من أثر تلك الرصاصة المجرمة التي زادتك إصراراً على الكتابة والحياة. وكنت كلما زرتك في السنوات الأخيرة، شعرت بألم عميق يحرقك من الداخل. لا تتحدث كثيراً، نظراتك شاردة في الفراغ. كان كبرياؤك عظيماً، فلا تظهر ضعفك حتى لأقرب أصدقائك، ثم زاد الوضع قسوة بسقوطك وكسرك في الحوض، ثم كانت النهاية بقسوة المرض. وهل هي النهاية؟ كلما أخذت بين يدي نصاً من نصوصك استرجعت الحوار الذي دار بيننا، حوله بكل تفاصيله. لا شيء ينسى يا صديقي. فأنت مثل خويا دحمان، فيك شيء من والدك البحار، وشيء من مرزاق الذي عاش بسيطاً على حافة البحر إلى يوم غادره حزيناً لأنه لم يشبع منه. ومن يشبع يا صديقي من حبه الأول والكبير؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى